ابن كثير

251

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

العلم لذاته شريف ، وأيضا لعموم قوله تعالى : قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [ الزمر : 9 ] ولأن السحر لو لم يكن يعلم لما أمكن الفرق بينه وبين المعجزة والعلم بكون المعجز معجزا واجب ، وما يتوقف الواجب عليه فهو واجب فهذا يقتضي أن يكون تحصيل العلم بالسحر واجبا ، وما يكون واجبا كيف يكون حراما وقبيحا ؟ هذا لفظه بحروفه في هذه المسألة . وهذا الكلام فيه نظر من وجوه أحدها قوله : العلم بالسحر ليس بقبيح عقلا ، فمخالفوه من المعتزلة يمنعون هذا ، وإن عنى أنه ليس بقبيح شرعا ، ففي هذه الآية الكريمة تبشيع لتعلم السحر ، وفي الصحيح « من أتى عرافا أو كاهنا فقد كفر بما أنزل على محمد » ، وفي السنن « من عقد عقدة ونفث فيها فقد سحر » وقوله : ولا محظور ، اتفق المحققون على ذلك ، كيف لا يكون محظورا مع ما ذكرناه من الآية والحديث واتفاق المحققين يقتضي أن يكون قد نص إلى هذه المسألة أئمة العلماء أو أكثرهم وأين نصوصهم على ذلك ؟ ثم إدخاله في علم السحر في عموم قوله تعالى : قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ فيه نظر ، لأن هذه الآية إنما دلت على مدح العالمين بالعلم الشرعي ، ولم قلت إن هذا منه ؟ ثم ترقيه إلى وجوب تعلمه بأنه لا يحصل العلم بالمعجز إلا به ضعيف بل فاسد ، لأن أعظم معجزات رسولنا عليه الصلاة والسلام هي القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد . ثم إن العلم بأنه معجزة لا يتوقف على علم السحر أصلا ، ثم من المعلوم بالضرورة أن الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين وعامتهم ، كانوا يعلمون المعجز ، ويفرقون بينه وبين غيره ، ولم يكونوا يعلمون السحر ولا تعلموه ولا علموه ، واللّه أعلم . ثم ذكر أبو عبد اللّه الرازي « 1 » ، أن أنواع السحر ثمانية [ الأول ] سحر الكذابين والكشدانيين « 2 » ، الذين كانوا يعبدون الكواكب السبعة المتحيرة ، وهي السيارة ، وكانوا يعتقدون أنها مدبرة العالم ، وأنها تأتي بالخير والشر ، وهم الذين بعث اللّه إليهم إبراهيم الخليل صلّى اللّه عليه وسلّم مبطلا لمقالتهم وردا لمذهبهم ، وقد استقصى في ( كتاب السر المكتوم ، في مخاطبة الشمس والنجوم ) المنسوب إليه ، كما ذكرها القاضي ابن خلكان وغيره ، ويقال أنه تاب منه ، وقيل بل صنفه على وجه إظهار الفضيلة ، لا على سبيل الاعتقاد ، وهذا هو المظنون به إلا أنه ذكر فيه طريقهم في مخاطبة كل من هذه الكواكب السبعة وكيفية ما يفعلون وما يلبسونه وما يتمسكون به . قال : [ والنوع الثاني ] سحر أصحاب الأوهام والنفوس القوية ، ثم استدل على أن الوهم له تأثير بأن الإنسان يمكنه أن يمشي على الجسر الموضوع على وجه الأرض ، ولا يمكنه المشي عليه إذا كان ممدودا على نهر أو نحوه « 3 » ، قال : وكما أجمعت الأطباء على نهي المرعوف عن

--> ( 1 ) التفسير الكبير 3 / 187 - 193 . ( 2 ) في تفسير الرازي : « الكلدانيين والكسدانيين » . ( 3 ) عبارة الرازي : « أن الجذع الذي يتمكن الإنسان من المشي عليه ، لو كان موضوعا على الأرض ، لا يمكنه المشي عليه لو كان كالجسر على هاوية تحته . وما ذاك إلا أن تخيّل السقوط متى قوي أوجبه » .